عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

21

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

آفة هذا المنظر : هو شهود نفس تلك الأنوار ، فإن الحق تعالى منزّه عن ذلك . وإنما هي أنوار إيمانية باللّه تعالى ، تتجلى عليه فيرتق عليه الأمر ، فيظنها أنوار للّه تعالى ، وهي نور الإيمان ، على أنه في الحقيقة كل الأنوار ، بل كل شيء . هو نور اللّه تعالى ، ولكنه بواسطة شيئية ذلك الشيء ، وهو يظنه بلا واسطة ، فهو محجوب . ومن هذا المنظر ينتقل إلى منظر الشهود ، ترتيبا إلهيا . * * * منظر ( الشهود ) يشهدك اللّه تعالى ، في هذا المنظر ، ظهوره في سائر مخلوقاته . وهذا المنظر أول المناظر الحقيقية ، التي ليس فيها التباس ، ولا تخييل ، ولا تصور ، ولا بطلان . بل يشهد الحق تعالى في سائر موجوداته . وفي هذا المنظر ثلاث غرف ، بين كل غرفة من المدارج والمعارج ما لا يحصى : الغرفة الأولى : شهوده تعالى في كل شيء ، بعد وقوع نظره في ذلك الشيء . الغرفة الثانية : شهوده تعالى في كل شيء ، عند وقوع النظر على ذلك الشيء من غير مهلة . الغرفة الثالثة : شهوده تعالى قبل وقوع النظر على ما تشهده فيه . وليعلم أن هذا الشهود : من غير حلول ، ولا ممازجة ، ولا مماسة ، ولا نوع من أنواع التجسيم والتشبيه ، ولا شيء من ذلك . بل يتجلى كما شاء ، على ما هو عليه من التنزيه والكمال والتعالي ، فيما شاء من المظاهر . تلك سنّة اللّه ، التي قد خلت في عباده من أوليائه : يتجلى عليهم ، فيما يشاء ، كما يشاء . ألا ترى إلى تجليه ، سبحانه وتعالى ، لموسى في النار المخلوقة ، التي رآها إلى جانب الشجرة ، فسمع لندائه أنه : أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [ طه : 14 ] ، فلم ينكر تجليه في النار ، بل آمن وصدق . وقد ذكرنا بعض الأحوال الموسوية في كتابنا المسمى ب ( المملكة الربانية ، المودعة في النشأة الإنسانية ) .